الآلوسي

251

تفسير الآلوسي

ممن خلق تفضيلاً . * ( واتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) * * ( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً ) * اليوم الوقت ، وانتصابه إما على الظرف والمتقى محذوف - أي واتقوا العذاب يوماً - وإما مفعول به - واتقاؤه - بمعنى - اتقاء ما فيه - إما مجازاً يجعل الظرف عبارة عن المظروف أو كناية عنه للزومه له ، وإلا - فالاتقاء - من نفس - اليوم - مما لا يمكن ، لأنه آت لا محالة ، ولا بد أن يراه أهل الجنة والنار جميعاً ، والممكن المقدور - اتقاء - ما فيه بالعمل الصالح ، و * ( تجزي ) * من جزى بمعنى قضى ، وهو متعد بنفسه لمفعوله الأول ، وبعن للثاني - وقد ينزل منزلة اللازم للمبالغة - والمعنى لا تقضي يوم القيامة نفس عن نفس شيئاً مما وجب عليها ، ولا تنوب عنها ، ولا تحتمل مما أصابها ، أو لا تقضي عنها شيئاً من الجزاء ، فنصب * ( شيئاً ) * إما على أنه - مفعول به - أو على أنه - مفعول مطلق - قائم مقام المصدر ، أي جزاء مّا . وقرأ أبو السماك : * ( ولا تجزىء ) * من أجزأ عنه إذا أغنى ، فهو لازم ، و * ( شيئاً ) * مفعول مطلق لا غير ، والمعنى لا تغني نفس عن نفس شيئاً من الإغناء - ولا تجديها نفعاً - وتنكير الأسماء للتعميم في الشفيع والمشفوع ، وما فيه الشفاعة ، وفيه من التهويل والإيذان بانقطاع المطامع ما لا يخفى ، كما يشير إليه قوله تعالى : * ( يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه ) * ( عبس : 34 - 37 ) والجملة في المشهور صفة يوم والرابط محذوف ، أي : لا تجزي فيه ولم يجوز الكسائي حذف المجرور إذا لم يتعين ، فلا تقول : رأيت رجلاً أرغب ، وأنت تريد أرغب فيه ، ومذهبه في هذا التدريج ، وهو أن يحذف حرف الجر أولاً حتى يتصل الضمير بالفعل - فيصير منصوباً - فيصح حذفه كما في قوله : فما أدري أغيرهم تناء * وطول العهد أو مال أصابوا يريد أصابوه ، وقد يجوز - على رأي الكوفيين - أن لا تكون الجملة صفة ، بل مضاف إليها ( يوم ) محذوف - لدلالة ما قبله عليه - فلا تحتاج إلى ضمير ، ويكون ذلك المحذوف - بدلاً من المذكور - ومن ذلك ما حكاه الكسائي - أطعمونا لحماً سميناً ، شاة ذبحوها - بجر شاة - على تقدير - لحم شاة - وحكى الفراء مثل ذلك ، ومنه قوله : رحم الله أعظما دفنوها * بسجستان طلحة الطلحات في رواية من خفض طلحة ، والبصريون لا يجوّزون حذف المضاف ، وترك المضاف إليه على خفضه ، ويقولون بشذوذ ما ورد من ذلك ، وقرأ أبو سرار : ( لا تجزي نسمة عن نسمة ) وهي بمعنى النفس . * ( وَلاَ يُقْبَلُ منْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ منْهَا عَدْلٌ ) * الشفاعة - كما في " البحر " - ضم غيره إلى وسيلته - وهي من الشفع ضد الوتر - لأن الشفيع ينضم إلى الطالب في تحصيل ما يطلب - فيصير شفعاً بعد أن كان فرداً - والعدل الفدية ، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وروي عنه أيضاً - البدل - أي رجل مكان رجل ، وأصل العدل - بفتح العين - ما يساوي الشيء - قيمة وقدراً - وإن لم يكن من جنسه - وبكسرها - المساوى في الجنس والجرم ، ومن العرب من يكسر - العين - من معنى الفدية ، وذكر الواحدي أن ( عدل ) الشيء - بالفتح والكسر - مثله ، وأنشد قول كعب بن مالك : صبرنا لا نرى لله عدلا * على ما نابنا متوكلينا وقال ثعلب : العدل الكفيل والرشوة - ولم يؤثر في الآية - والضميران المجروران - بمن - إما راجعان إلى النفس